جان لوك غودار شاعر أكثر منه مجرد سينمائي

Jean Luc Godard

جان لوك غودار شاعر أكثر منه مجرد سينمائي

حميد عقبي ـ مخرج سينمائي ـ باريس

المخرج السينمائي الفرنسي العالمي جان لوك غودار له رصيد كبير من الأفلام السينمائية الروائية الطويلة 40 فيلماً طويلاًَ – 20 فيلماً قصيراً وعشرات الأفلام الوثائقية والتلفزيونية .. تنوعت مواضيع وأفكار أفلام جودارد ومست كل الخطوط الحمراء ويصفها البعض أنها معقدة وغامضة وتغلب عليها ذاتية المخرج كما أنها تعبيرية وشعرية أكثر منها روائية تسرد قصة أو حكاية.
والفيلم من وجهة نظر غودار لا ينزل من السماء وإنما لا بد من التحضير والإعداد الجيد والدقيق في كل مرحلة من مراحل الفيلم من السيناريو إلى العرض.. في بداية خطواته كتب جودارد العديد من السيناريوهات ولم تجد أفكاره أي تشجيع أو دعم إنتاجي وعندما بدأ بإخراج أفلامه الأولى وجد صعوبة في العرض ولم يجد ترحيباً جماهيرياً كما أن بعض أفلامه تعرضت للمنع من الرقابة وهاجمه بعض النقاد يومها.
اليوم تعد أفلام غودار ومنها على سبيل المثال ( لاهث ) و(بيرو المجنون) من روائع السينما العالمية وتعد مادة خصبة للدراسة والبحث الأكاديمي وقد وجدت أكثر من 50 رسالة ماجستير ودكتوراه تناولت سينما جودارد وهناك مئات الكتب والمقالات ومواقع على الانترنت يمكن لمن يحب الإطلاع أكثر أن يطلع عليها.
سوف أحاول بشكل ملخص ومختصر وسهل تلخيص مميزات وسمات سينما جودارد
– تحرير كاميرا التصوير من كل القيود والقواعد الكلاسيكية والتصوير في ألاماكن الطبيعية والمفتوحة والشوارع العامة وداخل المقاهي وعدم الاعتماد على الديكور الفخم أو الانحصار داخل الاستوديوهات.
ويفضل غودار الديكور الطبيعي والبسيط والعادي جدا غير المكلف ويرى أن الديكور الطبيعي والتصوير في ألاماكن المفتوحة يعطي حرية اكبر للممثل لأداء دوره دون تكلف أو تصنع وترك للممثل حرية الأداء والارتجال واختيار طريقة الإلقاء ولا يهتم جودارد بالماكياج والملابس والإكسسوارات المكلفة والمصطنعة ويعد جودارد من رواد الموجة الجديدة ويقترب كثيرا من المدرسة الواقعية الجديدة وتأثر بالمخرج الإيطالي روزليني مخرج الفيلم الرائع (روما مدينة مفتوحة).
ولكنه امتاز بأسلوب خاص جدا في التعامل وتحرير آلة التصوير من القيود النظرية فهو يختار أحيانا زوايا ووضعيات غريبة للكاميرا ويحرر الكاميرا في الحركة فهو أحيانا يتبع الشخصية وأحيانا تصبح الكاميرا وكأنها إحدى الشخصيات أو جزء من الموضوع المصور.
نلاحظ أحيانا في بعض لقطاته اختياراً غريباً لنوع اللقطة ونوع الحركة قد لا يتفق أبدا مع نظريات الإخراج أو الأسلوب الأمريكي في التصوير فأحيانا نشاهد أن الممثل يتحدث عن شي بينما الكاميرا مشغولة بتصوير شي أخر لا علاقة له بالموضوع أو الشخصية، ويترك للشخصية حرية الحركة داخل المكان بشكل طبيعي وتلقائي كما في الحياة اليومية.
نلاحظ أحيانا انقطاعاً للصوت أو تشويشاً أو صمتاً مطبقاً لا يتفق مع النسق الصوري مما يزيد الغموض ويشتت المشاهد أو يربكه ويجعله أحيانا ينفعل ويقول ماذا يريد المخرج أن يقول ؟
وأحيانا يترك العنان مفتوحاً للشخصية ونستمع إليها وكأنها تهذي أو يترك الحوار بشكل طبيعي بين الشخصيات وقد يختلط الحوار بالمؤثرات الصوتية والتي تسجل طبيعيا مع الحدث أو ضوضاء المكان ونحتاج إلى تركيز شديد لالتقاط الحوار المشوش وغير المفهوم أحيانا وغير المركز وتكثر المنولوجات الداخلية ويمتاز أسلوب غودار أن المنولوج الداخلي عبارة عن هذيان داخلي غير مترابط منطقيا وقد لا يكون النسق الصوري مناسباً بل قد يكون مختلفاً تماماً.
ويترك للمثل حرية الأداء والارتجال أحيانا والأداء كيفما يحس وقد يقوم الممثل بتغيير بعض الكلمات والألفاظ إن أحس أنها ثقيلة عليه وقد يكون كله ارتجاليا كما في الحياة اليومية.
– يظهر أن لغة الحوار والحديث شعبية وأشبه بلغة الشارع ونجد أحيانا ألفاظاً بذيئة ووقحة ومقززة أحيانا كما يحدث بالشارع، في هذا يتفق غودار مع المخرج الإيطالي (باز وليني) في تحرير لغة الحوار السينمائي وتحريره من التقاليد والقيود التي كانت سائدة وتحكم مسالة الحوار في شكل فخم أو لغة برجوازية ويرى أن السينما يجب أن تنزل إلى الشارع وتغوص في الواقع وألا تظل حبيسة هذا الروتين الجامد.
– في فيلم( لاهث ) مثلا استطاع  أن يقوم بثورة عملية في المونتاج السينمائي كون المونتاج ليس الهدف منه الربط بين اللقطات والمشاهد بل هو عملية إبداعية ويعتبر أن المونتاج اخطر عنصر ومرحلة في صناعة الفيلم .
امتاز مونتاج جودارد بما يشبه المونتاج الجدلي المتناقض أحيانا فهناك خلط ومزج معقد أحيانا بين الماضي والحاضر وما يدور حول الشخصية وما يدور بداخله من انفعالات ولا يوجد تسلسل منطقي والتزام بتسلسل لسرد الأحداث حسب وقوعها، هناك تفتيت وتشتيت وتجزئة للقصة والعملية أشبه ببعثرة الأحداث لا عرضها.
– ما تمتاز به سينما غودار أشبه بتفجير الألوان والاعتماد على قوة الصورة والعناية في بناء اللقطة ومعماريتها بشكل فني مثير بالغ التعقيد .
فاللقطة أشبه بلوحة سريالية مليئة بالرموز والدلالات ولا يحترم غودار قوانين الزمن فهو أحيانا يركز على موضوع أو شي لنقل فنجان قهوة ليس له علاقة بمسار القصة ويظل زمن اللقطة أطول من اللازم وأحيانا نرى العكس تماما تدفقاً صورياً سريعاً أشبه بومضات أو فلاشات غير مفهومة وسريعة مما تفقد المشاهد توازنه وتزيده اضطراباً وانفعالاً وإثارة ولا يتورع عن تصوير مشهد جنسي فاضح أو تصوير جسد أنثوي عار تماماً.
أفلام غودار أشبه بمتاهات كلما خرجت من متاهة تقع في متاهة أخرى أكثر تعقيداً وجودارد لا يهتم بعرض حكاية بل التعمق والغوص في أعماق الشخصية وإظهار كل المتناقضات والصراعات الداخلية التافهة والحقيرة وبعض المشاهد أشبه باعترافات شخصية للمخرج، وتعكس وجهة نظر شخصية تجاه قضايا عديدة مثل الدين والسياسة والواقع الاجتماعي والجنس وغيرها من المواضيع المثيرة والمحرمة ويختلط في بعض الأحيان الذاتي بالموضوعي بالعامل السيكولوجي ويتجاوز كل المحذورات بشجاعة وصراحة ودون أي خوف.
– تمتاز سينما غودار بالاعتماد على الإضاءة الطبيعية ونرى أحيانا وجود تشويهات في الصورة بسبب عدم الإسراف في استخدام الإضاءة الصناعية خاصة في التصوير الداخلي وهذا التشويه مقصود لأغراض جمالية وليس قصوراً أو أخطاءً أثناء التصوير فهو أحيانا يستخدم هذه التشويهات لإرباك المشاهد ويكون لها دلالات ورموز وعلينا الانتباه كثير في الجانب غير المرئي في سينما جودارد كون المشاهد هنا شريكاً ومشاركاً في الفيلم وليس مجرد متلق بل هو جزء هام من الفيلم .
– يمكننا القول إن غودار كرائد من رّواد الموجة الجديدة وكمخرج شاعري وفنان سينمائي شاعر أكثر منه مجرد سينمائي ينقل لنا حكاية أو قصة وقد استطاع بجدارة أن يعيد للسينما روعتها وجمالها كفن له جماليته الخاصة وكانت أفلامه أشبه بثورة تجديديه تحمل أفكاراً وتثير الجدل حول مواضيع سياسية ودينية واجتماعية وجنسية وتتحدى كل

كل الخطوط الحمراء  مفتوحة الأفق وتقودنا إلى عالم أخر ..عالم الحقيقة وتكشف كل أقنعة الزيف والكذب والنفاق.

الخطوط الحمراء  مفتوحة الأفق وتقودنا إلى عالم أخر ..عالم الحقيقة وتكشف كل أقنعة الزيف والكذب والنفاق.

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s